تقرير خاص من رئاسة التحرير
الانتخابات الفلسطينية بين استعادة الشرعية واختبار وحدة النظام السياسي
تحليل في البيئة القانونية والمؤسسية وفي فجوة الثقة وفي قدرة الاقتراع المقرر في 28 نوفمبر على اعادة بناء التمثيل الفلسطيني في الضفة وغزة والقدس
تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 نوفمبر 2026 مجالا سياسيا يتجاوز فكرة التداول الدوري للسلطة. فالاستحقاق ياتي بعد عشرين عاما من اخر انتخابات تشريعية وبعد انقسام مؤسسي وجغرافي طويل بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ولهذا لا يقاس نجاح العملية بمجرد فتح صناديق الاقتراع. بل يقاس بقدرتها على اعادة تكوين مصدر شرعي للقرار وعلى تحويل التعددية من تنازع على الشرعية الى تنافس منظم داخل مؤسسة منتخبة.
اعلنت لجنة الانتخابات المركزية جدول المدد القانونية استنادا الى قانون الانتخابات العامة رقم واحد لسنة 2007 وتعديلاته. وحددت تسجيل القوائم بين 26 سبتمبر و7 اكتوبر والحملة بين 6 و26 نوفمبر والصمت الانتخابي في 27 نوفمبر. ويقترع افراد قوى الامن مبكرا في 26 نوفمبر ثم يجري الاقتراع العام في 28 نوفمبر. ويمنح هذا التسلسل العملية شكلا قانونيا واضحا. لكن الشكل القانوني لا يحسم وحده قدرة النظام على تنفيذ الاستحقاق في بيئة واقعة تحت الاحتلال ومنقسمة اداريا وسياسيا.
تكشف ارقام التسجيل عن طلب اجتماعي على المشاركة رغم ازمة الثقة. فقد قالت لجنة الانتخابات ان نسبة المسجلين في محافظات الضفة بلغت 87.2 بالمئة بعد اضافة اكثر من 32 الف ناخب جديد. ووصل العدد الى اكثر من مليون وستمائة وعشرين الف ناخب. كما راجع نحو 410 الاف مواطن بياناتهم الكترونيا. هذه الارقام لا تعني بالضرورة ارتفاع الثقة بالطبقة السياسية. لكنها تدل على ان قطاعات واسعة لا تريد فقدان حقها في الاختيار حتى وهي تشك في جدوى العملية.
تظهر المشكلة البنيوية في استثناء قطاع غزة وحملة هوية القدس من مرحلة التسجيل في الضفة مع تاكيد اللجنة ان حقهم في المشاركة محفوظ وان الاليات ستعلن لاحقا. هذا الترتيب يحمي الحق من الناحية المبدئية. لكنه يؤجل السؤال التنفيذي الاكثر حساسية. كيف سيصوت مجتمع تعرض لنزوح واسع وتدمير للسجل المدني وللبنية التحتية. وكيف ستشارك القدس اذا منعت اسرائيل الدعاية والاقتراع داخل المدينة. ان اي غموض متاخر في هاتين الساحتين قد يحول الانتخابات من اداة وحدة الى مصدر جديد للطعن في التمثيل.
اعاد المرسوم الاخير عدد مقاعد المجلس التشريعي الى 132 مقعدا بعد التراجع عن توسيعه الى 200. وابقى تعديلات مهمة تشمل خفض سن الترشح الى 23 عاما ورفع تمثيل النساء في القوائم الى 33 بالمئة والابقاء على عتبة انتخابية عند واحد بالمئة. تحمل هذه التعديلات وعدا بتوسيع قاعدة التمثيل. لكنها تثير ايضا سؤالا حول استقرار القواعد القانونية عندما تتغير بمرسوم قبل الاقتراع بفترة قصيرة. فالانتخابات الحرة تحتاج الى قانون واضح والى شعور الفاعلين بان القواعد لا تصمم لخدمة نتيجة مسبقة.
يقدم استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية رقم 97 صورة دقيقة لفجوة الشرعية. قال 49 بالمئة انهم يتوقعون اجراء الانتخابات في موعدها بينما توقع 44 بالمئة عدم اجرائها. ورأى ثلثا الجمهور انها لن تكون حرة ونزيهة بينما منحها 30 بالمئة فقط هذه الثقة. هذه النتيجة تعني ان التحدي لا يقتصر على الوصول الى يوم الاقتراع. بل يشمل بناء ضمانات للمنافسة وللاعلام وللرقابة وللقضاء الانتخابي ولتنفيذ النتائج.
يعكس الاستطلاع تحولا في التوازن الحزبي من دون ان ينتج بديلا حاسما. تساوت فتح وحماس عند 24 بالمئة في الانتماء الحزبي العام. وتراجع دعم حماس من 35 بالمئة قبل عشرة اشهر الى 24 بالمئة. وقال 44 بالمئة ان ايا من الحركتين لا يستحق قيادة الفلسطينيين. وتكشف هذه الارقام ان المجال مفتوح لقوائم ثالثة. لكن انخفاض العتبة الانتخابية قد يشجع ايضا على تفتت الاصوات وعلى تشكيل مجلس يصعب داخله بناء اكثرية مستقرة.
قال الرئيس محمود عباس ان الانتخابات استحقاق وطني وديمقراطي يعكس ارادة الشعب. وقال رئيس لجنة الانتخابات رامي الحمد الله ان اللجنة تمضي وفق الجدول المعتمد لضمان النزاهة والشفافية. وفي الجهة المقابلة قال حسام بدران ان حماس تعمل مع فصائل لتشكيل كتلة واسعة وانها ستشارك في الانتخابات. تضع هذه التصريحات التزاما علنيا على القوى الرئيسية. لكن صدقية الالتزام ستقاس بقبول الترشح المتكافئ وبحرية الحملة وبالقبول المسبق بمبدا تداول السلطة وبنتيجة الصندوق.
تتصل الانتخابات مباشرة بمستقبل غزة. فالاقتراع لا يستطيع وحده حل مسالة السلاح او اعادة الاعمار او شكل الادارة بعد الحرب. لكنه قد ينتج تفويضا جديدا لمؤسسة فلسطينية قادرة على التفاوض حول هذه الملفات. ويظهر استطلاع المركز ان 19 بالمئة يضعون توحيد الضفة وغزة في صدارة الاولويات وان 18 بالمئة يعطون الاولوية لوقف القتل في غزة وان 15 بالمئة يركزون على الاقتصاد. وهذا يعني ان الناخب لا ينظر الى الانتخابات كمسابقة حزبية فقط. بل كاداة للخروج من الانقسام والحرب والانهيار الاقتصادي.
السيناريو الاول هو اجراء انتخابات شاملة في الضفة وغزة والقدس مع رقابة مستقلة وقبول للنتائج. وهذا السيناريو يعيد للمجلس التشريعي وظيفة الرقابة والتشريع ويمنح النظام قدرة اكبر على التفاوض الخارجي. السيناريو الثاني هو اجراء جزئي يستبعد فعليا القدس او اجزاء من غزة. وهذا ينتج شرعية ناقصة قابلة للطعن. السيناريو الثالث هو التاجيل بفعل الاحتلال او الانقسام. وهذا سيضاعف ازمة الثقة ويحول التحضير الحالي الى دليل جديد على عجز النظام عن تجديد نفسه.
تخلص رئاسة التحرير الى ان القيمة التاريخية للانتخابات لا تكمن في تحديد من يفوز فقط. بل في الاجابة عن سؤال من يملك حق القرار الفلسطيني وكيف يخضع هذا القرار للمحاسبة. النجاح يحتاج الى ضمان المشاركة الجغرافية والقبول السياسي بالنتائج واستقلال لجنة الانتخابات وحرية الاعلام ومنع الاعتقال السياسي وضمان القضاء الانتخابي. ومن دون هذه الشروط قد تنتج الصناديق ارقاما جديدة بينما تبقى ازمة الشرعية القديمة قائمة.