مصالحة فتحاوية أم معركة على اليوم التالي
لقاء حسين الشيخ وسمير المشهراوي يؤكد فتح مسار توحيد الحركة من دون خطوات تنفيذية حتى الآن فيما ينتظر وفد فتح قرار الرئيس عباس بشأن العفو والعودة وإعادة بناء منظمة التحرير

انفتاح محسوب لا مصالحة مكتملة
دخل المشهد الفلسطيني مرحلة جديدة بعد انتقال العلاقة بين قيادة حركة فتح والتيار الديمقراطي الإصلاحي بقيادة محمد دحلان من القطيعة الطويلة إلى اتصالات معلنة ومسار تفاوضي ترعاه القاهرة لكن هذا التحول لا يعني أن المصالحة أصبحت أمرا منجزا بقدر ما يكشف عن محاولة لإعادة هندسة التوازنات داخل فتح قبل الانتخابات التشريعية وفي ظل سباق متصاعد على تمثيل غزة وإدارة مرحلة إعادة الإعمار
توقيت الاتصالات يمنحها دلالة سياسية خاصة فهي تأتي بعد إعلان موعد الانتخابات التشريعية وبدء الحديث عن تحالف وطني واسع لا تقوده فتح وتكثيف اللقاءات الفلسطينية في القاهرة وتزايد الحاجة إلى عنوان فلسطيني قادر على إدارة القطاع والتعامل مع المانحين لذلك تبدو المصالحة الفتحاوية جزءا من معركة أوسع على الشرعية والتمثيل ومفاتيح اليوم التالي
وفي أحدث تطور مؤكد اجتمع حسين الشيخ في القاهرة يوم 23 أغسطس 2026 مع رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد بمشاركة روحي فتوح وماجد فرج وبحث الاجتماع الانتخابات الفلسطينية المقبلة وجهود لم الشمل وتطورات الضفة الغربية
العفو العام واختبار التنفيذ
يستند ملف العودة إلى إعلان الرئيس محمود عباس أمام القمة العربية الطارئة في القاهرة يوم 4 مارس 2025 بإصدار عفو عام عن جميع المفصولين من حركة فتح واتخاذ الإجراءات التنظيمية الواجبة لذلك وقد أيدت اللجنة المركزية هذا التوجه ثم فتحت باب تقديم طلبات فردية للعودة وبذلك لم تعد القضية غياب قرار سياسي بالعفو بل طريقة تنفيذه وما إذا كانت العودة ستتم بصورة جماعية أم عبر ملفات فردية وقرارات تنظيمية
ولا يعني العفو التنظيمي وحده إسقاط الملفات أو الأحكام القضائية تلقائيا ما لم تصدر إجراءات قانونية مختصة بشأنها كما أن إعادة دحلان وقيادات التيار إلى مواقعهم السابقة ليست نتيجة آلية للعفو فالمصالحة الكاملة تحتاج إلى تحديد صفة العائدين وضمان مشاركتهم في مؤسسات الحركة والاتفاق على شكل التمثيل والقائمة الانتخابية
المشهراوي يكشف ما دار في القاهرة
تأكد انعقاد لقاء في القاهرة بين وفد حركة فتح ووفد تيار الإصلاح الديمقراطي برئاسة نائب رئيس التيار سمير المشهراوي وقال المشهراوي إن اللقاء استهدف توحيد الحركة وجرى في أجواء إيجابية لكنه شدد على عدم وجود خطوات عملية حتى الآن وأن وفد فتح سيعرض النقاط التي طرحها التيار على الرئيس محمود عباس وبذلك انتقل المسار من اتصالات معلنة إلى تفاوض مباشر من دون أن يبلغ مرحلة الاتفاق التنفيذي
وبحسب المشهراوي ناقش الاجتماع الوضع في الضفة الغربية وأكد وفد التيار أن معالجة الأزمة تحتاج إلى حوار لا يستثني أحدا كما دعا إلى إعادة بناء منظمة التحرير بصورة قوية تستوعب الجميع ورفض أن يفرض الاحتلال تفاصيل ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وتوسع هذه المواقف نطاق اللقاء من وحدة فتح إلى إصلاح التمثيل الوطني ومواجهة التدخل الإسرائيلي
وفي ملف العلاقة مع حماس رفض المشهراوي الانتقادات الموجهة إلى تياره بسبب التقارب معها وقال إن التيار يتحرك انطلاقا من هم وطني لا من مزايدات حزبية كما أكد أن تيار الإصلاح لم يغب عن متطلبات العمل الوطني خلال السنوات الثلاث الماضية وتكشف الرسالة أن التيار يريد الاحتفاظ بقنواته مع حماس حتى وهو يتفاوض على العودة إلى فتح
أما داخليا فقد ربط المشهراوي توحيد فتح بقرارات حاسمة من الرئيس عباس وطالب برد حقوق كل من تعرض لقرارات ظالمة داخل الحركة وتنسجم المطالبة مع إعلان العفو العام الصادر عام 2025 لكنها ترفض اختزال العودة في إجراءات فردية شكلية وتدفع نحو تسوية جماعية تعالج العضوية والحقوق والمواقع التنظيمية
لماذا تحتاج فتح إلى تيار دحلان
تواجه فتح اختبارا انتخابيا صعبا بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات العامة وتراجع الثقة بالسلطة واستمرار الانقسام وتدرك قيادة الحركة أن انقسام الصوت الفتحاوي قد يقلص قدرتها على المنافسة ولا سيما في غزة حيث يمتلك تيار دحلان حضورا تنظيميا وخدماتيا وعلاقات إقليمية وشبكات اجتماعية فاعلة
تسعى فتح من خلال الحوار إلى منع انتقال تيار الإصلاح إلى تحالف انتخابي واسع يضم حماس والجهاد الإسلامي وفصائل وشخصيات مستقلة كما تريد تقديم نفسها للمانحين بوصفها العنوان الشرعي القادر على إدارة الإعمار والحدود والأمن والتمويل في غزة
أما تيار الإصلاح فيحتاج إلى تحويل إعلان العفو العام من مظلة سياسية إلى عودة تنظيمية فعلية تعيد لقياداته وكوادره العضوية وحقوق المشاركة والترشح وإلى معالجة ما تبقى من قيود قانونية وقضائية والحصول على موقع في ترتيبات إدارة القطاع والإعمار
التحالف الوطني والانتخابات
أعلنت حماس رغبتها في خوض الانتخابات ضمن أوسع تحالف وطني ممكن وأكد القيادي في تيار الإصلاح أسامة الفرا أن التيار قرر المشاركة ويفضل تحالفا واسعا يضم فصائل وكفاءات وشخصيات مجتمعية كما شملت الاتصالات الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية وشخصيات مستقلة
غير أن التحالف ما زال مشروعا قيد التفاوض وليس قائمة مكتملة البرنامج والأسماء وتنبع قوته من محاولة كسر الثنائية التقليدية بين فتح وحماس لكنه يحمل تناقضات كبيرة بشأن المقاومة والسلاح واتفاقات منظمة التحرير والعلاقة مع الإقليم وشروط المانحين وشكل الحكومة المقبلة
حدد المرسوم الرئاسي يوم 28 نوفمبر 2026 موعدا للانتخابات التشريعية في القدس والضفة وغزة وأكد الشيخ أن الانتخابات ستجرى في موعدها لكنه أعلن خطة بديلة في حال تعذرها تتمثل في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني بالتوافق الوطني
إعمار غزة صراع على السلطة والموارد
قدر البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 53 مليار دولار استنادا إلى الأضرار المسجلة حتى أكتوبر 2024 منها قرابة 30 مليار دولار أضرارا مادية و19 مليارا خسائر اقتصادية وكان قطاع الإسكان الأكثر تضررا
الإعمار ليس ملفا فنيا محايدا فالجهة التي توقع العقود وتدير الأموال وتضبط المعابر وتختار المستفيدين وتعيد تشكيل الأجهزة البلدية والأمنية ستراكم نفوذا سياسيا كبيرا ولهذا تتقاطع المصالحة الفتحاوية والتحالفات الانتخابية مع سؤال من يملك التفويض الفلسطيني لإدارة غزة
المسار الأكثر استدامة يحتاج إلى هيئة فلسطينية موحدة وخاضعة للرقابة وحساب مالي شفاف وتدقيق مستقل وربط الإنفاق بأولويات السكان لا بالحصص التنظيمية كما يجب الفصل بين الإغاثة العاجلة والتنافس السياسي
ما الذي يحسم مصير المصالحة
يمكن قياس جدية المسار من خلال تنفيذ إعلان العفو العام وتحويله من طلبات فردية إلى آلية تنظيمية محددة تبين صفة العائدين وحقوقهم وتشكيل لجنة مشتركة بجدول زمني معلن والاتفاق على طبيعة القائمة الانتخابية وإعلان أسماء مكونات التحالف الوطني وبرنامجه وضمانات الاقتراع في غزة والقدس
حتى الآن تمثل تصريحات حسين الشيخ وسمير المشهراوي انتقالا إلى تفعيل سياسي للعفو وإلى تفاوض مباشر هدفه المعلن توحيد فتح لكن تأكيد المشهراوي عدم وجود خطوات عملية يعني أن المصالحة لم تكتمل وأن الاختبار الفعلي هو ما سيقرره عباس بعد تسلمه نقاط الاجتماع وكيف ستترجم القيادة العفو إلى آلية تنفيذية تحدد العضوية والحقوق والمشاركة والمواقع
السؤال الأعمق لا يقتصر على عودة دحلان إلى فتح أو تشكيل قائمة مضادة للحركة بل يتعلق بقدرة القوى الفلسطينية على استخدام الانتخابات والحاجة الملحة إلى الإعمار لبناء شرعية جديدة ومؤسسات موحدة بدلا من إعادة توزيع النفوذ داخل البنية القديمة
العودة إلى الرئيسية ←